كتاب الكنوز للفيلسوف السرياني أيوب الرهاويكتاب الكنوز للفيلسوف السرياني أيوب الرهاوي شاكر سيفو - كتاب الكنوز للفيلسوف السرياني أيوب الرهاوي من أندر واثمن ذخائز السريان في العلم والفلسفة، وهنا لابدّ لنا من ان نبدأ من مقدمة المطران غريغوريوس يوحنا ابراهيم:الكنوز، للفيلسوف السرياني ايوب،المعروف عند المؤرخين العرب باسم ايوب الرهاوي،او ايوب الابرش.وقد ذكره الطبيب والفيلسوف السرياني حنين بن اسحق /809-873م،مرات كثيرة،كما ذكره كتاب ّ ومؤرخون عرب،مثل:ابن النديم البغدادي/ ت 1046 في الفهرس او فهرس العلوم،وابن أبي أصيبعة في عيون الأنباء في طبقات الأطباء،و أهتم المستشرقون بكتاباته،ولكن جميعهم لم يصلوا الي حقيقة امره،وكل الذين كتبوا عنه اختلفوا في تاريخ ولادته،ونسبه، وتاريخ وفاته،حتي في المكان الذي تلقيّ ّفيه العلوم،خاصة الطب والفلسفة،وكل ما كتب عنه حتي اليوم سواء كان من المستشرقين الكبار أو حتي في مقدمة هذا الكتاب يبقي من باب التخمين!!
أما مؤلفاته واثاره التي نقلها من اليونانية الي السريانية فقد بلغت /35/ عملا، يعود الفضل في تسجيلها الي حنين بن اسحق،وتتعلق معظمها بكتب جالينوس الطبية. ومجمل القول ان كتاب:الكنوز هذا،هو من أهم موسوعة فلسفية علمية عند السريان من القرن التاسع للميلاد.
ويورد المقدمان والمترجمان والمعلّقان:ان ترجمتهما لهذا الكتاب هو انطلاقا من مفهوم تاريخي وعلمي وانساني،والكتاب موسوعة علمية ضخمة لاحد كبار العلماء السريان، ممن عفا الزمن ذكراهم أجيالا،ومن الواجب و الأنصاف الكشف عن شخصيتهم،انه ايوب الرهاوي أو أيوب الأبرش،صاحب (كتاب الكنوز )الموسوعة الفلسفية العلمية في الموجودات ونشوء العالم،والحياة وافعالها وحركاتها،والمعدنيات، والاثار العلوية وغيرها.
أيوب الابرش
وأيوب هذا من اواخر القرن الثاني للهجرة /الثامن للميلاد،ومطلع القرن الثالث للهجرة / التاسع للميلاد،وهو عهد متقدم جدا بالنسبة للفلسفة والعلوم،لذا يمكننا اعتباره بحق احد الأساطين التي قام عليها صرح الحضارة العربية والعالمية.
حياته وعصره: ورد ذكره في المصادر السريانية والعربية باسم (أيوب )،واختلف المؤلفون،القدامي والمحدثون،حول شخصيته،فجاء ذكره لدي المؤرخين العرب تحت اسم (أيوب الرهاوي )تارة،وأخري تحت أسم (أيوب الابرش )،وبينهماجمع بعضهم الأسمين في شخص واحد،ميزّغيرهم ذلك،فاعتبروا أيوب الرهاوي شخصا،وايوب الابرش شخصا اخر،يذكره حنين بن اسحق (المتوفي سنة 873م)37 مرة في رسالته الي علي بن يحيي(في ذكر ما ترجم من كتب جالينوس بعلمه وبعض ما لم يترجم )فيتعرض للجهد العلمي الكبير الذي بذله أيوب في ترجمة كتب جالينوس،ويقول صريحا أنه(ايوب الرهاوي المعروف بالأبرش).
أما ابن النديم فيضعه في جملة (النقلة من اللغات الي اللسان العربي )ويسميه (أيوب الرهاوي).
لكن ابن ابي أصيبعة هذه المرة من اوقع المؤلفين في حيرة وارتباك،فهو يعقد كلمة قصيرة لأيوب المعروف بالابرش وذلك في( طبقات الاطباء السريانيين الذين كانوافي ابتداء ظهور دولة بني العباس )،و يذكره في باب ( طبقات الاطباء النقلة الذين نقلوا كتب الطب وغيره من اللسان اليوناني الي اللسان العربي وذكر الذين نقلوا لهم )ويسميه هنا ايضا (ايوب المعروف بالابرش).لكنه يذكر بعدذلك بقليل (أيوب الرهاوي )ويقول ما نصه (ليس هو أيوب الابرش المذكور اولا ).وعلي الرغم من اننا نجل ابن ابي اصيبعة ونعتبر سفره النفيس في تاريخ الطب والاطباء من ادق ما سجله القدامي في هذا الباب،الا اننا لا نوافقه هذه المرة علي تمييزه ايوب الر هاوي عن ايوب الابرش،فهو شخص واحد،وذلك استنادا الي شهادة من هم اقدم عهدا،ولا سيما حنين بن اسحق الذي عاش في فترة قريبة من فترة ايوب الرهاوي.هذا بالاضافة الي شهادات اخرين. ويتبدد الشك فنقع في تأكيد حنين، ان ايوب الرهاوي وايوب الابرش شخص واحد،من ان ابن ابي اصيبعة نفسه يجعل ابراهيم بن ايوب الابرش معاصرا للخليفة المعتز بالله (866-869م)،ويعني ذلك بأنه معاصر لحنين بن اسحق،لذا قال اولمان بأن وفاة أيوب الرهاوي بعد سنة 832م،مستشهدا في ذلك بأبن المطران ويعتبر سيزكين،علمنا هذا ممن عاشوا في النصف الاول من القرن الثالث للهجرة /التاسع للميلاد،وكان (منكنا) قد اقترح سنة 760 لولادته،كما يذكر له حادثة مع المأمون افادنا بها ياقوت الحموي في معجم الادباء،وذلك سنة 832،الامر الذي يؤكد وفاته ليست قبل هذا التاريخ الاخير. اما لكليرك فكان قد قال بوفاة أيوب سنة 710م،لكنه تاريخ لا يستقيم الا أذا ميزّنا بين ايوب الرهاوي وايوب الابرش،لكننا ميّالون الي جمع الاثنين في شخص واحد،كما اسلفنا.
فتكون ولادة ايوب الرهاوي في النصف الثاني من القرن الثامن للميلاد،ووفاته في النصف الاول من القرن التاسع.يتفق ذلك مع قول ابن العبري انه اشتهر في ايام البطريرك طيمثاوس الاول (780-823م). وقال ليفن انه طبيب من اطباء المأمون،وانه كتب موسوعته الفلسفية العلمية في أوائل القرن التاسع،او أواسطه مستندا في ذلك الي استنتاجات بينس .وقد حدا الامر بفايزر ان يضع سنة ولادة أيوب وسنة وفاته بكل بساطة علي النحو التالي (769-835).
وايوب معاصر لجبريل (جبرائيل بختيشوع )،أذ يذكر حنين بن اسحق انه ترجم لجبريل مقالات من كتاب (النبض وعلاج التشريح) كما انه معاصر لأبنه بختيشوع فقد ترجم له كتاب جالينوس في المرّة السوداء وهو قبل حنين بقليل كما يتضح من كل ما اوردناه من بينات ّ.
كان ايوب طبيبا ومترجما لكنه اشتهر بالترجمة،حتي قال عنه صاحب عيون الأنباء ان (مانقله في اخر عمره يضاهي نقل حنين وقد نقل كل من مصنفات اليونانيين الي السرياني والعربي )ويذكره علي بن رضوان في جملة النقلة من اليونانية الي السريانية والعربية.
كتب جالينوس
وايوب حلقة من حلقات الوصل بين التراث المشرقي القديم،والحضارة الراقية التي ازدهرت بعد الفتح العربي الاسلامي وتوطدت الدولة العربية في الشام وبغداد والاندلس.
أثاره:يعود الفضل في تسجيل اثاره الي حنين بن اسحق وذلك في رسالته الاخيرة الي يحيي بن علي:
نقل أيوب الرهاوي كتب جالينوس الطبية وهي كثيرة وقد بلغت( 35) كتابا:ومنها كتاب جالينوس المسمّي (فينكس )وهو مقالتان،تشتمل الاولي علي كتبه الطبية،والثانية علي كتب المنطق والفلسفة والبلاغة والنحو والفهرس هذا غير كامل ،كما يقول حنين ويضيف في رسالته الي يحيي بن علي (وقد سبقني الي ترجمته الي السريانية،ايوب الرهاوي المعروف بالابرش )أما الكتب الاخري فهي:كتاب في الصناعة الطبية وكتاب في النبض وكتاب في علم التشريح وكتاب في ما وقع من الاختلاف في التشريح وفي تشريح الحيوان، وغيرها كما ذكرنا عددها.
الحواس الخمس
اما تاليف أيوب الرهاوي،فقد بلغت ثمانية مؤلفا،ومنها:كتاب الكنوز
وكتاب في البول بالسريانية وكتاب في داء الكلب بالسريانية وكتاب في علل الحميات بالسريانية وكتاب في النفس بالسريانية وكتاب في الحواس الخمس بالسريانية وكتاب الجواهر بالسريانية وكتاب في الايمان بالسريانية
وكتاب البراهين العشرة بالسريانية،لم يبق لنا الدهر علي مصنفات أيوب هذه ما خلا (كتاب الكنوز )المطبوع وكتاب داء الكلب المخطوط،غير أن معظم ارائه ولو بايجاز في كتابه الموسوعي الجدير بالاهتمام.
كتاب الكنوز:
يقترح( الفونس منكنا )،ناشر الكتاب ومترجمه الي الانكليزية،سنة 817م كتاريخ لتدبيج هذه الموسوعة الفلسفية العلمية من قبل أيوب الرهاوي أو ألابرش،
وذلك بسبب تطرق المؤلف الي ذكر اضطرابات وقلاقل حدثت في بغداد أيام وضع هذا السفر،وذلك في الباب السادس عشر من المقالة الثالثة، ويشخص ّ هذه الاحداث بالرجوع الي تاريخ الطبري وتاريخ ابن الاثير،
ويدعم رأيه بالقول أن أيوب لا علم له بترجمة المصنفات الفلكية لبطليموس،وقد تمت الترجمة سنة 827. ومهما يكن من أمر،فان كتاب الكنوز يرجع الي الثلث الاول من القرن التاسع الميلادي. وكتاب الكنوز موسوعة علمية فلسفية ضخمة،جاء في ديباجتها انها من وضع فيلسوف الروح والجسدأيوب الرهاوي في معرفة الموجودات وسبب انقسامها الي اجناس وأنواع وأفراد،وتكوّن هذا العالم من العناصر،وفي طبيعة الافعال.ويقسم المؤلف موسوعته الي ست مقالات طويلة،والمقالات الي ابواب أو فصول.
تتكون المقالة الاولي من (33) بابا وتبحث في علل العناصر البسيطة والمركبة،وكل ما هو موجود او يقع تحت الحواس او يدرك بالفكر،والعناصر الاربعة البسيطة،والأخلاط،وتركيب الأجسام،والعظام والأعصاب والأوردة والشرايين والمرّة السوداء والمرة الصفراء،وحركة الأحياء،كما في الرأس وألأرجل وألأصابع والشعر والدغدغة.
وتشتمل المقالة الثانية علي( 23) بابا في الحرارة والبرودة، والدغدغة والنوم،والذكور والاناث،والشعر واللحي،والرحم والحيض والاسنان وطول الأجسام وقصرها وألوانها،وأنواع الحيوانات واختلافها واجناسها،واختلاف الانسان عن الحيوان،وانواع الحيوانات البرية والبحرية والجوية،والأذناب والقرون،واختلاف الغذاء والطيور والاسماك.
وتضم المقالة الثالثة (20 )بابا في اجناس الطعوم،والالوان والبصر،والشم ّ،واسمع،والنطق،والروح،والتنفس،واللمس،والسبب الذي من اجله كانت الحواس خمسا،واللون والصوت والطعم،ولم الروائح ليست جواهر،كما في حاسة الطعوم والروائح والاصوات،وتفنيد رأي القائلين بنظرية أخري في الاعراض والجواهر.
وتتألف المقالة الرابعة من (18) بابا في المعادن كالذهب والفضة والنحاس والحديد والقصدير،والكبريت والزرنيخ والقير،والشب ّ'كما في الجبال والصخور والسهول،والبلدان الشمالية والجنوبية والعيون والثلوج وفصول السنة وحركة الارض والرياح والبحار والحمامات.
وتحتضن المقالة الخامسة (26)بابا في السحب والامطار والثلج ،والبرد،والرعد والبرق،وقوس قزح،والزوابع والاعاصير،والصواعق والشهب،والمجرة،وهالة الشمس والقمر،وطبيعة الشمس والكواكب وحدوثها من العناصر خارجا عن عالمنا،وحركة عالمنا والعالم العلوي،والابراج الاثني عشر،والكواكب السيارة والسبعة،ونور الكواكب،وموقعها،وحركتها،وكبر الشمس،واستمداد القمر نوره من الشمس،ولون السماء،وعدم عاقلية الاجسام السماوية.
أما المقالة السادسة والاخيرة ففيها (11) بابا في الملائكة وما رتبهم،ونهاية العالم،وتجدد العناصر وتغيرها،والقيامة وكيفيتها،وانحلال الجسم الي العناصر،
واختلاف عالمنا هذا عن العالم الاتي،كما في وجود ملكوت وجحيم،وعدم وجود نهاية للعالم الاتي،ولم ّجعل الله حدا لعالمنا هذا بينما لا حد للعالم الاتي.
وقد درس قضية هذا الكتاب الموسوعي كل من منكنا بشكل مقتضب في مقدمته كما انه يشير احيانا الي بعض كتب ابقراط وجالينوس وأرسطو وفردوس الحكمة (لعلي ّبن ربن) ّفي تعاليقه،ثم قام بدراسة هذه القضية كل من ليفين وفايزر.
كتب ارسطو
يستشهد أيوب صراحة بابقراط مرة واحدة،وبجالينوس مرتين،ويذكر ارسطو عدة مرات،وينوه ّبعلماء ومفكرين اخرين سبقوه،بل ويشن ّحربا شعواء علي معاصرين تحاملوا -حسبه -علي نظرية العناصر الاربعة الثابته،(المقالة الثالثة،الباب السادس عشر،يتبني في ذلك نظرية ابقراط وجالينوس ويدافع عنها ). فأيوب مطلع ّعلي كتب ابقراط وجالينوس،ولعله يعرف ابقراط من خلال جالينوس،كما يتضح من الكتب التي قام بترجمتها وذكرناها انفا،وهو مطلع بما فيه الكفاية علي كتب ارسطو الصحيحة أو المنسوبة كالاثارهلعلوية،والطبيعة،والعالم،والنفس،والشباب،والشيخوخة،والحس،والنوم والسهر،والسماء والولادة والزوال،وما بعد الطبيعة.
ويتفق مؤلفنا عادة مع اراء ارسطو وجالينوس وغيرها،
كما ينحو منحي خاصا في امور تتعارض وايمانه بالله الواحد، كما بشأن الهيولي وقدمها،والعناصر السماوية الخمسة،وتأليه الكواكب،وأزلية حركة العناصر الاولي،وطبيعة الأثير.....
أن أيوب الرهاوي في ذها المصنف الكبير لا يدعي ّأنه خلق كل هذه المعلومات من عندياته،فقد ذكر انه استفاد من ممن سبقوه ولا غضاضة في ذلك فقد كان الكثير من هذه التعاليم والاراءأرثا حضاريا شائعا،ولم يدعي ّ ايوب ابتكارها او تسجيلها للمرة الاولي،بل نراه علي العكس يعيد الي الاذهان بالحاح ذكر من سبقوه من علماء ومفكرين افاضل، بينما يلو م المتحذلقين ممن خرجوا علي تعاليم سائدة لم يكن له أن يري عكسها، كما يصحح سابقيه فيما يتعارض ومبادئه. وبقي ان نقول بان لغة أيوب السريانية صعبة،لكنها بليغة وجميلة،فقد تتعب قراءته،لكنك
متي امعنت القراءة استطبتها، أذ انها تقرب الي النظم أحيانا.ختاما لا بد ّأن نسجل بفخر واعتزاز عاليين للروح العظيمة للراحل الكبير العلامة الدكتور يوسف حبي وصديقنا الكبير الشماس الموقر بهنام دانيال علي جهودهما الكبيرة في ترجمة وتقديم والتعليق علي هذا المصنف العلمي الفلسفي السرياني.
|